المسرح الاغريقي ..سر الاقنعة وسفوح الجبال والثورة والالهة


تاريخ النشر: 2017-03-12 10:22:00
مشاهدات : 25640

 كتب: حسام خليل 

 

لاشك أن المسرح هو البداية الحقيقة لمختلف الفنون حيث كانت تقام في شكل شعائر دينية تتطورت لتجسيد المأساة تارة والملهاة تارة اخري .
الثابت تاريخيا ان المسرح الفرعوني هو الاقدم لكن هذا لايقلل من اهمية المسرح عند الاغريق الذي وصل الي مرحلة النضج والنبوغ والابتكارنشأت التراجيديا واتخذت أصولها من الأغاني الديثورامبية وهي عبارة عن طقس من الطقوس الدينية تؤدى في عبادة الإله والاحتفال به.
 وتقسم الأعياد التي تتم فيها هذه الطقوس والاحتفالات إلى ثلاثة وهي: أعياد ديونيزوس الكبرى أو أعياد المدينة، أعياد العصير، الأعياد الريفية.
وأما الدراما اليونانية فكانت، وحتى بعد تطورها ونضوجها في القرن الخامس قبل الميلاد على يد "اسخيلوس" ومعاصريه ومن جاءوا بعدهم، كانت جزءاً لا يتجزأ من طقوس الاحتفال بالإله ديونيزوس في "عيد الديونيزيا الأكبر". قناع مسرحي يمثل ديونيسيوس، متحف اللوفر .
في رسالة أرسطو عن "فن الشعر"، نجد في عرف القدماء أن أبا التراجيديا الحقيقي هو " ثسبيس" (القرن السادس ق. م) الذي أوجد فكرة التمثيل، فبعد أن كانت الأحداث تروى على لسان رئيس الكورس ، أو الجوقة، أصبحت تمثل أمام المشاهدين، ويقوم بتمثيلها شخص آخر غير رئيس الجوقة، وكان يطلق عليه اسم "هوبوكريتيس " أي المجيب، أو الشخص الذي يعبّر عن آراء غيره، أو الشخص الذي يظهر على غير حقيقته هو، فهو الممثل الذي يجري على لسانه كلام الشخصيات المختلفة التي يقوم بتمثيلها. وكان يؤدي هذا الدور الشاعر نفسه فيغير ملابسه وقناعه - فيما بعد - في خيمة قريبة تسمى "سكيني " بما يتفق مع الشخصية المراد تمثيلها، بينما أفراد الجوقة يستمرون في الرقص والإنشاد، ثم يعود إليهم ليناقش معهم ما قالته الشخصية السابقة أو يعارضها أو يرثو لها وهكذا حتى تنتهي المسرحية. ثم جاء "براتيناس " ليبتكر الأقنعة التي حلّت محل طلاء الوجه برواسب النبيذ كما كان يفعل "ثسبيس"، كما أنه أدخل على الملابس بعض التعديلات الهامة. ثم جاء "اسخيلوس " الذي يعتبر مبتكر التراجيديا الحقيقي وصاحب الفضل الأول في وجودها بصورتها التي نعرفها، فإليه يعزى إظهار الممثل الثاني مما أدّى إلى وجود الصراع بين وجهات النظر المختلفة، وإلى زيادة عنصر الحوار على عنصر الغناء عند الجوقة. كما أهتم بالإخراج والمهمات المسرحية، فتولى الأقنعة بالتهذيب والصقل حتى أصبحت تعبر تعبيراً صادقاً عن ملامح الممثل وعواطفه، واعتنى بملابس الممثلين. ثم جاء "سوفوكليس " ليضيف ممثلاً ثالثاً واهتم بالمناظر، وهكذا وصلت التراجيديا إلى أوج الكمال.
الدراما المسرحية تنقسم إلى ثلاثة أنواع:
 

كوميدي أو الملهاة (تمثل بالقناع الأبيض أو ألوان فاتحة).

تراجيدي أو المأساة (تمثل بالقناع الأسود أو ألوان داكنة).

تراجيكوميدي شيء بين هذا وذاك

الإغريق القدماء كانوا يأخذون هذه المسائل الترفيهية بكل جد. يستخدمون الدراما كوسيلة لمعرفة هذا العالم الذي نعيش فيه، وكأسلوب لفهم معنى أن نكون بني آدمين. أهم أنواع الدراما الثلاث هي التراجيديا.

الكوميديا:

المسرحيات الكوميدية الأولى، كانت عبارة عن سخرية وتريقة على رجال السلطة، وإظهار غبائهم وغرورهم. أحداثها غالبا تمثل الوقت الحاضر. أول مؤلفي الكوميديا المشهورين، هو أريستوفان. بعد ذلك، ألف ميناندر كوميديات عن الناس العاديين، وكانت أعماله أشبه بكوميديا المواقف.

التراجيديا:

تعالج موضوعات كبيرة مثل الحب، الفشل، الكبرياء، سوء استخدام السلطة، العلاقة المعقدة بين الإنسان والآلهة. معظم أحداثها تكون في الماضي. بطل التراجيديا، بروتاجونيست، عادة ما يقترف جريمة رهيبة دون أن يدري، ودون أن يعلم كم هو أحمق مستهتر مغرور.

بعد ذلك، عندما يتحقق البطل من خطئه ببطء، يجد كل شيء يتحطم حوله. أهم كتاب التراجيديا الإغريق، هم: أسخيليوس، سوفوكليس، ويوريبيدس.

يقول أرسطو إن التراجيديا تطهر القلوب، عن طريق الإحساس بالشفقة والرعب. تجعلنا نتقبل آلامنا ومخاوفنا، عندما نرى أمام أعيننا البطل وهو يتحمل آلامه بكل نبل وشجاعة. كما نقول بالبلدي: "اللي يشوف مصيبة غيره، تهون عليه مصيبته". يعتبر أرسطو أن التراجيدا مكان مناسب للتنفيث عن مخاوفنا وانفعالاتنا ومشاكلنا النفسية. يعني علاج نفساني علن طريق المشاهدة.
 

 
يعترف أرسطو بأن العواطف قد تكون عنيفة شاطحة خطرة، ليس من السهل التحكم فيها. إلا أن الدراما تفجر هذه العواطف المكبوته، وتجعلها تخرج في صورة انفعالات، بكاء أو ضحك أو حزن وسرور.

عندما كان الأثينيون يذهبون للمسرح لمشاهدة الأعمال الدرامية، كانوا يضحكون ويبكون ويرتجفون من الخوف ويضربون صدورهم ويشدون شعورهم. يحدث ذلك، بينما يتوالى عرض المسرحية الدرامية.

التراجيكوميدي:

هي مسرحيات قصيرة تعرض بين فصول الدراما الأصلية. تسخر من محنة أبطال التراجيديا. قليل منها هو الذي نجى من الضياع أو الحرق.
أسخيليوس، هو أبو التراجيديا الإغريقية. توفى عام 456 ق. م، في بداية حكم بيركليس لأثينا، الذي استمر فترة طويلة نسبيا. ألف أسخيليوس 80 مسرحية تراجيديا، لم يتبق منها سوى سبعة، الفرس، أوريستيا، بروميثيوس مغلولا، وغيرها.

 
اشترك أسخيليوس في الحرب ضد الفرس في موقعة الماراثون عام 490 ق. م، وموقعة سلاميس عام 480 ق. م. يقال إنه مات بسبب سقوط سلحفاة فوق رأسه، كان يحملها نسر. على قبره، كتبت جملة واحدة: "لقد اشتركت في الماراثون".

بعد موته، كنوع من التبجيل، سمحت أثينا لأعماله أن تعرض في المهرجان السنوي الذي يتنافس فيه مؤلفو المسرحيات للفوز بالجائزة الكبرى.

خليفته على عرش التراجيديا، هو تلميذه سوفوكليس. عاش ما يقرب من 100 سنة. توفي قبل نهاية الحرب البيلوبونيسية بين أثينا واسبرطة. كتب 123 مسرحية، لم ينجو منها سوى سبعة. منها أنتيجوني، أوديب في كولونس، وأوديب ريكس.

من عائلة غنية كانت تعيش في كولونس بالقرب من أثينا. أرسله والده إلى مدرسة أثينا، حصل منها على تعليم جيد. عندما كان عمره 6 سنوات، هَزم الأثينيون الفرس في موقعة الماراثون.

عندما كان عمره 16 سنة، هَزم الأثينيون الفرس في موقعة سلاميس. لم يشترك سوفوكليس في الحرب مثل أسخيليوس. لكنه شاهد منزله ومنازل الأثينيين ومبنى البارثينون، تحفة الإغريق في الفن، شاهدها كلها تدمر وتحترق بالفرس قبل هزيمتهم.

عمل سوفوكليس في شبابه بالسياسة، إلى جوار بيركليس حاكم أثينا. كان يعرف هيرودوت و"ثوسديدس" وكتاب المسرح، مثل أستاذه أسخيليوس ويريبيدس. سقراط كان أصغر منه قليلا في السن.

تمتاز مسرحياته بالتفاؤل، تعكس روح أثينا. كان يرى الإنسان قويا عقلانيا خلاقا، سيد العالم حوله، وخير من خلقته الآلهة. كان أيضا يتذكر الرعب الذي سببته الحرب. كان يرجو ويلح في مسرحياته بتحكيم العقل، ووضعه في مرتبة أعلى، فوق العواطف والغضب.

ثالث الثلاثة وأصغرهم سنا هو يوريبيدس. عاش في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد، أثناء الحرب البيلوبونيسية. كان ينافس سوفوكليس في مسابقات الدراما ويكسبه في بعض الأحيان. كتب 92 مسرحية، لم يبق منها سوى 20.

كتب ثلاثية طروادة التي لم يبق منها سوى "نساء طروادة"، بالإضافة إلى مسرحيتين هامتين عن دور المرأة في زمن الإغريق، هما "نساء فينيقيا" و"باتشا". كتب أيضا ميديا وفيدرا وهما شخصيتان نسائيتان هامتان.

قد يبدو أنه متعاطف مع النساء في أعماله، يطالب بحسن معاملتهن. لكنه في بعض الأحيان، يظهرهن كشخصيات غير عقلانية، أو مجنونة، تتبع الغريزة لا العقل. مسرحياته تبين الصراع بين الأنثى التي تحكمها العاطفة، والرجل العقلاني.

لكن في مسرحياته، الغلبة لا تكون للرجل العقلاني طول الوقت. يصر يوريبيدس على أننا يجب أن نقر ونعترف، بوجود جانبين في نفس الإنسان. جانب حيواني غريزي، وجانب عقلاني إلهي. عقولنا لا تستطيع دائما التحكم في أجسادنا. هذا قبل سيجماند فرويد بأكثر من ألف سنة.

أما إمام المسرحية الكوميدية، فهو أريستوفان (450-388 ق. م). عاش في أثينا وعاصر يوريبيدس. لكن أريستوفان كان يكتب المسرحيات الكوميدية. ألف 30 مسرحية، لم يبق منها سوى 11.

أول مسرحية ألفها كانت عام 427 ق. م، سنتان بعد وفاة بيركليس حاكم أثينا. كان متخصصا فيما نسميه اليوم، النقد السياسي. من مسرحياته: ليسيستراتا، الضفادع، السحب وهي أشهرهم.

في مسرحية ليسيسترا، يسخر من الجنرالات الذين لا يستطيعون إنهاء الحرب البيلوبونيسية، ويقول بأن المرأة تستطيع أن تفعل أحسن من الرجل، بأن تصنع السلام مع الأعداء.

مسرحية الضفادع، عبارة عن تأبين لسوفوكليس ويوروبيدس بعد موتهما، وإظهار أن الفن وحده غير قادر على صناعة السلام بين الأعداء.
كل مدينة إغريقية، كان بها مسرح. لأن المسرح، كان جزءا من الاحتفالات الدينية في البداية. الإغريق كانوا مغرمين بالغناء والرقص. المسارح كانت تبنى في الهواء الطلق، مثل السينمات الصيفي في بلادنا.

كانت تبني المسارح في سفوح الجبال على شكل نصف دائرة، يتسع كل منها في الغالب لـ 18 ألف مشاهد. المقاعد من الحجر في شكل صفوف، كل صف منها أعلى من الذي أمامه. حتى يرى المشاهد ويسمع أحداث المسرحية دون مضايقة من الجالس أمامه.

في المركز، دائرة للرقص ومكان للأوركسترا، ومذبح تقدم عليه القرابين للإله ديونيسوس. المكان المرتفع داخل الدائرة، هو المسرح الذي يقام عليه العرض.

كل الممثلين، كانوا من الرجال. يلبسون أقنعة كبيرة تبالغ في تعبيرات الوجه والأحاسيس. فتحة الفم كبيرة تقوم بتضخيم الصوت. التمثيل يكون بالكلمات أو بالشعر.

يقول نيتشة، إنه بفضل الموسيقى والأسطورة، تتخلص التراجيديا من آلام الواقع والعالم الخارجي. بالموسيقى يتحرر الجسد، وبالأسطورة نعانق الزمن الأول بما فيه من آلهة وكائنات.

 
الشخصيات الأسطورية ليست أناسا عاديين، بل آلهة وأبطالا متحضرين. الأسطورة إذن، هي قصة ما فعله الآلهة والكائنات الإلهية في بداية الزمن. الأسطورة بمثابة حفر في تاريخ الإنسان وعقله الباطن، وعمق ماضيه السحيق. عبر الأسطورة نعانق هذا التاريخ الأصلي، ونحتضن الزمن الأول، الزمن المقدس الأبدي.

باستعادتنا لهذا الزمن، ننسى كل شيء. ننسى الألم وننسى الموت. التراجيديا في عمقها وجوهرها مقاومة للموت نفسه، والحلول في الزمن الأبدي. إذا كان لا بد من الموت، فعلى الأقل لنختر كيف نموت، نموت أبطالا بكرامة وشرف، أي نموت منتصرين. (وإذا لم يكن من الموت بد ** فمن العجز أن تموت جبانا).

الأبطال التراجيديون يختارون موتهم ويذهبون إليه ببطولة وشجاعة وإقدام. هذا بروميثيوس، عند أسخيليوس، يختار موته ويتوجه إليه. وذلك أوديب، عند سوفوكليس، يختار مواجهة موته ببطولة وإقدام.

هم يعلمون أنهم لا قبل لهم في مواجهة الآلهة، إلا أنهم مصرون على التحدي والمواجهة والثورة. بهذا إذن تتجسد الأسطورة في البطل التراجيدي.

لقد كان الإنسان اليوناني يحس بالضجر والرعب، وبالخوف في هذا الوجود، إلا أنه كان يرفض أن يتعامل معه كخطيئة أو كذنب لا يغتفر، كما هو الحال بالنسبة للأديان السماوية الثلاث، التي تركز على الشعور بالذنب لعصيان آدم لربه، مما تسبب في طرده من الجنة.
 
 
 
 
 
 
comments powered by Disqus