أدب
الشيخ صابر من شقاوة الأطفال إلى فقيه القريه

.jpg)
بقلم : د. فرج الحسيني
الطفولة:
كيف السبيل لإراحة المؤمنين من أولادهم المشاغبين وقد غاب الخضر في زوايا وخبايا التاريخ؟ لقد كان الشيخ صابر في طفولته غلامًا مشاغبًا جلابًا للمتاعب، عصيًّا على والديه وعلى شيخ كتابه، إذا خرج من بيته تشاجر من أترابه وتخاصم مع أصحابه، أما إذا ثوى في بيته قلب القدور وأزعج الحضور، بيد أنه كان ينطوي على ذهنَا حاذقًا وقلبًا زكيًا، ولكن كيف يكون مآل هذا الغلام إن ترك على سجيته؟ وقد قيل أن الصبي المشئوم يورث لأهله المسبة، فإن كان الله يحبه فسيكون له شان آخر، وأما إن كرهه واجتواه فسيتركه كما ترك الجبارين في الأرض في كل زمان ومكان.
وكان أبواه يجلسان ولا همّ لهما سوى إبنهما وشقاوته المفرطة، ثم يرفعان أيديهما إلى السماء ويدعوان الله أن يلهمه الهداية ويجنبه الغواية، لا بد من البلوى ليمحص الله عباده ويصطفيهم، ومن هنا تبدأ سيرة صاحبنا، فقد أغرم وهو صغير بالحلزونة (أتوبيس بسيط يقل الأهلين من القرية إلى المدينة)، فكان ينتظر قدومه دون كلل ولا ملل، حتى إذا عنّ من على البعد وسط أشجار النخيل؛ أخذ يهرول إليه يسابقه مرة أو يتعلق به مرة أخرى، وهو غير عابئ بتعب أو مقدرًا لعقوبة، حتى إذا تحتم القضاء هانت له الأسباب، فأتى اليوم الذي ترك في الفتى أثرَا غير حياته.
الحادثة
كان ذلك ذات مرة وهو يتعلق بالحلزونة فسقط على رأسه سقطة انبجثت الدماء على أثرها من كل ثغر، وسقط من عزمها بعض أسنانه، حينها خرجت أمه جزعة هلعة، حافية القدمين عارية الرأس، وهي تصرخ وتولول من هول الخطب، تتلمس أخباره وتسأل عن حاله، وكان قد نقل إلى المشفى في حالة خطيرة، فوقفت على باب غرفته في المشفى ذاهبة النفس، ساهمة الوجه، مفعمة بالحزن والأسى، ولم تصدق عبارات التطمين ولم تحفل بكلمات المواساة والمجاملة، وحين أدخلوها عليه رأته طريح الفراش معصوب العينين، فلم تصدق وسلامته ولا نجاته، وكأن قلبها أدرك أنها أحسنت إذ أسمته "صابر" وأنه سيكون له من الصبر كومة كبيرة، ومنذ ذلك اليوم لم تذق الأسرة طعمًا للسرور ولا للبهجة، إلا بعد تغير حاله كما سيأتي.
نجا صاحبنا ولكن أمه ظلت تبكيه سنين عديدة، وتمنت لو فدته بمقلتيها وفؤادها، حبًا له ورحمة به ليعود لسيرته الأولى، ولم تكن تعلم حينئذ أن صابرًا فقد بصره بلا رجعة، وكان أشد ما يبكيها ويخلع فؤادها من مكانه؛ حين يسألها بعامية ساذجة وهو يفرك عينيه "الصبح صبح يمّه؟" "هوه الليل ليل يمّه؟" وكانت تصبره بدعوة من يشاكله عمرًا من الأولاد، يسامرهم ويسترجع ذكراه معهم، ثم يسمح بيده على وجوههم ليميز الواحد منهم عن غيره، وكان يفهمهم أن لا صحة لما تقوله أمهاتهم عن الظلام وسكانه، فها هو في ظلمة داجية ولم يرى غولًا ولا بعبعًا ولم يشاهد شبحًا ولا عفريتًا.
دعت أمه الله في كل آذان وهي كاشفة رأسها أن يشفي ولدها، وتوسلت إليه بكل نبي وولي، ولجأت إلى المنجمين وأصحاب الأعمال والرقي، وزارت في سبيل ذلك كثير من المقامات، وعلقت على صدره حجبَا وتمائمًا، ونذرت من النذور ما شاء الله لها أن تنذر، وجمله القول أنها استنفذت كل الوسائل التي كان لمثلها أن تقدر عليها وتعيها، وذات يوم خلعت قرطها وألقته في حجر أبيه، ليذهب بثمنه لأحذق أطباء العيون وحكماءها.
صحيح أن والدته كانت كثيرة البكاء عليه، ولكن بكاءها هذه المرة كان شديدًا، وذلك بعد أن أسر الطبيب لأبيه ذلك السر الذي الي نكدها طوال حياتها؛ حتى لقيت ربها، فقد خرج والده من العيادة يحمله؛ فوقف ممتقع الوجه ساهمًا، لقد بلغها رسول الصمت الرسالة وفهمت كل شيء، فأجهشت تبكي بحرقة زائدة، فقال لها صابر:"هوه الدكتور قال أيه يمًه؟" ردت قائلة والعبرات تخنقها: "خير يا ابني متخفش" وأخذت تقبله في جبينه ووجنتيه، وتضمه إلى صدرها ضمًا قويًا، ثم اغرقت في البكاء والنشيج، وهو يضع يده على وجهها يستكشف الدموع ويمسحها.
أدرك صاحبنا أنه قد فجع في بصره، وانتقل إلى عالم الظلام بلا رجعة، وأنه صار أحد شهداء هذا العالم الذين لا بد منهم، فرضي بقضاء الله وأذعن لقدره، وصبر على بليته صبرًا جميلًا، وسرعان ما نسي علته، وبردت حرقة قلبه، واعتمد في تدبير شئونه على فطنته الحادة، وصار قلبه المفعم باليقين دليله وقائده، وأصبح سمعه المرهف عينه التي لا ترمش، وأضحت أنامله الرقيقة بصره الذي لا يضعف، لقد عوضه الله بهذه الحواس وكشف له بها ما لم يكشفه لذوي الأبصار الحاذقة والعيون الجاحظة، فأهمل صاحبنا الشكل وما يتعلق به، واهتم بالحس والوقع والجوهر، وصار يعرف الناس من نبرات أصواتهم ووقع أقدامهم وتردد أنفاسهم، ويعرف المال من رنينه وملمسه، والربيع من عطره ونسيمه، والشتاء من طول ليله وزمهريره، والصيف من قيظه وهجيره، والخريف من قلقه واضطرابه، وعرف الشوارع والدروب من عثراتها والتواءها، وهكذا في شئونه كلها، وفي الأشياء والحاجيات التي تحيطه، وخاطب الناس وحاورهم بأساريره وقسماته، فضًلا عن حلو بيانه، ولقد صدق رب العزة سبحانه في قوله: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور} (سورة الحج 46).
الكُتاب
ظل صاحبنا ثاويًا في بيته بعد حادثته تلك بضعة شهور، فابيض وجهه ولانت أعضاءه لأن مكث الرجال في البيوت يورث النعومة والخور، وكان لا بد له من شغل يشغله ويملأ عليه حياته، فأرسل مجددًا إلى كُتاب الشيخ عمر لحفظ القرآن وتجويده؛ والقرآن سبيل سعادة الدنيا وضرتها وهو ملجأ أهل الإسلام دومًا في أفراحهم وكهفهم في أرزاءهم وأتراحهم.
خرج صاحبنا مبكرًا من بيته مع قائده نحو الكُتاب بهمة ونشاط، يتأبط مصحفه ويمسك صره طعامه، تعتدل مواطئ قدمه حينًا وتعوج حينًا، وكانت القرية في ذيّاك الصباح تموج بالحركة والنشاط، فهو صباح ليل شتوي طويل، فثارت سواكن أشجانه؛ حين سمع سعي الناس يطلبون أرزاقهم ومعايشهم في الصباح الباكر، كشروع المزارعون في تسريح سوائمهم إلى مرابضها في الحقول والزراعات، التماسا للدفء والنشاط، ووقع في أذنيه أصوات الحوافر والأظفار، وزقزقة الأطيار بين الأشجار، ودبدبة أقدام فلاح يطلب عجلًا وليدًا آبقًا، وسمع خوار أمه تناديه، وسمع مأماة الغنم وثغاءها هى تخرج من أرباضها، وطرب لرنين جرس تيسها وعرف لهاث كلب حراستها.
وشم ألوان الطعام كرائحة اللحم الطاذج من ذبيحة تسلخ، واستنشق رائحة الفول والطعمية فوجد لهما طعمًا في تحت لسانه، وسمع الباعة وهم يرجّعون أناشيدهم الشجية؛ يعلنون فيها عن بضائعهم وصنائعهم، فسمع نداء جامع زبل الأطيار وخرءها، وبائع قرب الألبان ومستبدلها، وراق له طرق مبيض النحاس على آنيته، ونقير بائع الجاز "السولار" على فنطاس عربته، وأخذ نفسًا عميقًا حين مر به بائع الشيح طمعًا في رائحته، ورجع القهقري فزعًا من وقع جرار زراعي يسوقه شاب متباه متهور.
ثم تحدرت منه عبرات حارة؛ حين تذكر ماضيه وهو يقطع تلك الأزقة جريًّا خلف أقرانه، أو فارًا منهم وهم يتلهون بلعبة "الاستغماية"، ومر بخاطره ألعابه المختلفة معهم كلعبة "النط كلك" التي كان يتقافز فيها الأولاد ويتواثبون على ظهر راكع منهم، ولعبة "الدبور" التي يلفونها بالخيط لتدور وتدور، وكيف أنه كان سباحًا ماهرًا لا يجاى في "الترعة الكبيرة" التي تمر بمحازاة القرية، فأضحى يسبح في بحر من الظلام والدجى.
وحين دخل الكُتاب أخلى له الشيخ مكانًا وأجلسه جواره وطيب خاطره، وعندئذ عرفه أترابه وساد بينهم السكون وعلا الوجوه وجوم، وأخذوا يتهامسون ويتغامزون، ثم استانفوا درسهم ولهوهم، ومتشاكستهم حوله وبين يديه، أما هو فكان مطرق الرأس يود لو انطلق يلعب كلعبهم، ولكنه مربوط بسلسلة غليظة من الظلام، وكان يستمع إليهم وهم يلعبون ألعابًا لا يعرف سوى أسماءها، ولكنه كان يفهم تهافتهم عليها والفرحة التي يجدها في الفائز، والمرارة يراها في نفس الخاسر، وكان بعضهم يغيظونه ويثيرون سخطه ويبالغون في كيده، فعلم أن لا بد له من البأس والشكيمة معهم، فإذا تحتم الشجار فهو الضارب على كل وجه، والرافس في كل بطن، وهو الماسك الذي لا يفلت، وكان يصغي إلى شيخه غاية الإصغاء، وسرعان ما صار أنجب التلاميذ وأسرعهم حفظًا وأنداهم صوتًا.
قال له شيخه: "فاكر الماضي يا شيخ صابر؟"
فرد عليه: أيوه يا سيّدنا.
قال: طيب قول من أول سورة عمّ.
أخذ صاحبنا يتلو سورة عمّ وأجاب بآياتها عمّا سئلوا، والنارعات وفيها موسى المنادي بذاك الوادي، وإلى الله منتهى الساعة لسائل أيان مرساها؟، والشيخ يقول مستحسنًا: "الله يفتح عليك يا ابني"، فلما تلا قول الله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى* أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى* وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى* أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى*} (سورة عبس1-4)، توقف عن التلاوة وتنهد تنهيدة طويلة، وأغرورقت عيناه، ليت شعري: أكان يتلوا حينئذ أم كان يئن أنينًا موجعًا؟
الأزهر
ولم يكد صاحبنا يتم عامامين حتى حفظ القرآن ووعاه، ثم أتمه في عامه الثالث بأحكام التجويد، وصار نائب الشيخ وبديله، وبات لقب شيخ قرينًا لأسمه، وأضحت الأم التي ما فتئت تبكي عليه، راضية مطمئنة ينطلق ثغرها بالبسمات، وعلمت أن الله أراد لإبنها الخير في لباس من الشر، وعمدت إلى التفاخر به بين صواحبها، وتقول وهي تطول في لقبه: "ولدي الشيخ صابر جاء" و"ولدي الشيخ صابر راح"، وقد ساعدها على تجاوز همها أنه وجد طريقه في رياض القرآن وأفنانه، وأنه صار فكهًا يحب النكات والمزاح الخالية من الفحش والبذاءة.
غير إن الشيخ صابر -وهو المشاغب قبل حلول الظلام- لم يكن ليقنع أن يصير "فقيًا" يطنطن في المقابر والأضرحة، وينال أجره من القوم خبزًا أو فاكهة في وعاء من العطف والإحسان، لكنه طمح في ارتقاء المنابر وتعلم الفقه، فعزم على الالتحاق بالأزهر الشريف لينهل من العلوم والمعارف، ويلبس هندامه وطربوشه، وينال وقاره وارتفاع شأنه، فتقدم إلى لجنة الاختبار بالأزهر، فرآت أن لا سبيل إلا اجتيابه، لما رأوا ملامح النجابة تلوح على وجهه.
التحق الشيخ صابر بالتعليم الإعدادي، وأخذ يكد في تحصيل العلوم، ويجاهد في سبيلها جهادًا حسنًا، ومكث سنين عديدة قضاها بين الاستماع والتسميع، والتلاوة والتسبيح، حتى حصل على الشهادتين الإعدادية والثانوية، وتضلع في العلوم والفضائل، ثم التحق بكلية الشريعة الإسلامية بأسيوط، وعانى مشاق الدراسة الجامعية، وقاسي متاعبها بصبر وجلد، فأظهر فيها تفوقًا عظيمًا وفتح الله عليه بابًا واسعًا من الإدراك والفطنة، وأمطر عليه سحائبًا من الذكاء والفهم، في الوقت الذي كان أقرانه المبصرين يتشكون ويتململون ويلتاعون من الدراسة والتواءها عليهم، وكان رحمه الله يعاني أشد ما يعانيه توفير قارئ يقرا له أو كاتب يكتب له أو قائدًا يرشده، فكثيرًا ما ترجح كفة المصالح على كفة الفضيلة، فكنت تراه يسابق الطير السارح في غدوها، فيرتدي جبته وقفطانه، ويضع على هامته طربوشه الزاهي، وشاله المزركش، ويلبس حزاءه الملمع، وكان قد اتخذ له عصًا جريًا وراء السنة والعادة وكان له فيها عديد مآرب، فبالعصى الأنيقة يكتمل هندام العالم، وكان ينطلق مع دليله إلى محل انطلاق السيارات من القرية إلى المدينة "الموقف"، يأخذ مكانه في الصف الأول، وهو يتمتم ويغمغم بأوراده وتسابيحه.
الحياة العملية:
قضي الشيح سنوات الجامعة هانئا مغتبطًا ففيها كان يغدو ويروح، وينتقل من القرية إلى المدينة يدفعه عزم وحرص شديدين على تلقي العلم، حتى إذا انقضت بنجاحه وتخرجه، بدأت هموم العمل وكَلفه، فتعين أولًا مدرسًا للعلوم الشرعية بمعهد ساحل سليم الإعدادي، مدة ثلاث سنوات متعاقبه قضاها في تلك الناحية، ثم انتقل إلى معهد منقباد الثانوي عام 1983م وظل به حتى وفاته عام 1995م نال خلالها درجة المدرس الأول، وكان قد تضلع في العلوم الشرعية وعلم الميراث واللغة العربية، وتفرد في علم القراءات بحيث حفظها وجودها عن ظهر قلب، وصار بذلك مرجعًا لمعلمى المعهد وطلبته وأهل بلدته، وكأن الله قد قرن فقد البصر بالعبقرية والنبوغ يوهبهما لعبادة المخلصين الصابرين.
وعرف الشيخ طريقه إلى المنابر فأصبح خطيبًا لجامع العرامية، وأمّ القوم في صلواتهم وأفتاهم وأجاب عن سؤالهم، فانفلت لسانه من عقال التردد وقيد التلعثم، فأصبح خطيبًا لسنًا متوقد الذهن، صافي القريحة، تقيًا دون تكلف أو تصنع، ورزقه الله إلى جانب ذلك وصوتًا نديًا حزينًا يستذرف العبرات، فكان إذا جاءته النوبة استلم مكانه في مجلس التلاوة؛ جلس القرفصاء، ثم تنحنح تلك النحنحة التي يهواها القراء تنشيطًا للحلق وتنبيهًا للخلق، ثم يستعيذ الرحمان من الشيطان الفتان، ثم يفتح الله عليه من فتوحه ما شاء له أن يفتح، فكنت تجد القوم يستحسنون طريقته ويشجعونه بعبارات الاستحسان: "الله الله يا مولانا" ومنهم من يقول: "الله يفتح عليك يا سيدنا الشيخ" أو: "الله يزيدك من نعيمو يا سيدنا الشيخ صابر" فكان -وهو اللبيب الذي يكره التكلف- يومئ لهم إيماءة خفيفة أو يعرض عنهم إعراضًا، لأنه لو أطاعهم لتحركوا طربًا كما يطرب الدراويش ومجالسهم.
زواجه:
تحدث الشيخ في خطبته عن فضل الزواج في الإسلام، وأنه عصمة ووقاية، ووالده بين المصلين يسمع بأذن غير التي يسمع بها الناس، ففهم الرسالة التي لم يكن الشيخ يقصدها، ولكن قديمًا قالوا إذا تكلمت الطبيعة لابد من الإصغاء، وأنك لو وضعت ماءً على منحدر لسال وجرى، وعلى الفور خطبت له أمه فتاة كريمة من أسرة طيبة، ولم يسلك الشيخ مسلك الخطيب المبصر مع خطيبته، في مد البصر إلى ما من شأنه استملاحها والاستمساك بها، وأنى له ذلك!! وتعلمون علته وحاله، وكانت الفتاة في ذلك قديمًا تقف على باب الحجرة التي يجلس بها خطيبها ولا تتجاوزه، تنظر من طرف خفي ثم تلوذ بقعر دارها، فصار يعمد إلى الغلام الذي كان يقوده فيسأله أشياءً يجوز السؤال عنها، ولكن الغلام غلام على أي حال، فجعل الشيخ يُعمل قريحته الصافية، فعرف وقع أقدامها من خجلها وحياءها، وسمع نحنحة خفيفة منها تعني بها:"إني مازلت موجودة"، ولكن سؤالًا شغله وأخذ يلح عليه بشدة: يا ترى ما لون إناء السكر؟ وما شكل كيس العنبر؟
سريعًا تم زواجه بها، وتوطدت بينهما أواصر المودة والرحمة وصارت أنيس وحدته، وعلم أن أبا العلاء المعري كان خاطئًا، ولكن شبح أبي العلا أشرق في سماءه بعدما تأخر انجاب زوجه، فمر العام السادس ثم السابع حتى رزق بابنته الأولى، وأراد الله -حيث يعلم الخير- ألا يكون له حظ من البنين، والشيخ يعلم أن الله تعالى يعلم ما لا يعلم، وكان في بيته رفيقًا رحيمًا حين يكون موضع الرفق والرحمة، وما تلك القبلات التي كان يطبعها على جبين صغيرتيه إلا أثرًا من آثار رقة قلبه وحنوه، وكان أيضًا حازمًا صارمًا، فقد حفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم "إن هلاك الرجال طاعتهم لنسائهم"، وكان هذا أيضًا دأبه مع طلابه، فإذا جاء أوان درسه تهيئوا له وصمتوا، كفوا عن المهارشة والمشاكسة، وجلسوا كأن على رؤوسهم الطير، لما يعرفونه من شدة بأسه وقوة شكيمته، وهو يدير أذنه في أرجاء الفصل فيسمع الهمس البعيد، وينبه صاحبه عليه ويزجره.
أحزانه:
كان الشيخ يرقب الأزهر وتطوره، فيبعث فيه ذلك الأمر حزنًا وكآبة، لما علمه عن طلاب الأزهر والقائمين عليه، فكم تعجب من جمود فكره، وإدارته البالية، وعاصر نمطين من طلابه في الثمانينات والتسعينات، فرأى بينهما بونًا شاسعًا، وصار يسأل كيف بات الأزهر تابعًا بعد أن كان متبوعًا؟، وأنه كان منارة يستضاء بها، فغدا يتسول النور ويتلصصه، ورأى كيف أن الأهلين إذا وجدوا في ولدهم ضعفًا في التعلم وبلاهة في الإدراك، أتوا به إلى الأزهر ليكمل الدراسة به، وكان مبعث ذلك عندهم أن الأزهر كريمًا لا يدع طالبه ولا يتخلى عنه بالغًا ما بلغ، فهو صائر طالبًا جامعيًا طال الأمر به أم قصر، وسواء الواحد منهم اجتهد ونبغ أم تكاسل وقبع، وأن مآلهم إلى المحاريب والمنابر لا محالة، فأصبح الأزهر كخابز سنابل وحاطب ليل، إلا قليل منهم يعدون من النوابغ، توفي الشيخ في عام 1995م بعد أن ترك في النفوس أثرًا بالغًا، وانتفع به خلق كثير وتخرج علي يديه جم غفير، ووالله لو طالت بك الحياة يا شيخي لرأيت في أزهرك عجبًا عجابًا، ولوقفت واجمًا تطلق عنان الحسرات وتفيض منك العبرات، وأحسب أني بقولى هذا قد أغضبت فريقًا منهم، لذا سأصمت تقديرًا للنابهين فيهم، ولأن البلاغة تكون في الصمت حينًا وفي البيان حينًا آخر.



