اقتصاد

المفكر الاقتصادي شريف دلاور : الازمة الصامتة في مصر ..أزمة عقل

كتب : سيد اسماعيل 

كانت مدرسة الشاعر الكبير طاغور – الحائز على جائزة نوبل فى الآداب عام 1913 – غير تقليدية من حيث التدريس خارج الفصول لتشجيع الطلاب على ممارسة حريتهم والاعتماد على قراراتهم وكانت لتجربته الرائدة فى ابتكار اساليب جديدة للتعليم تأثير واسع على منهجية طلب العلم فى اوروبا واليابان وامريكا، وامّا الجامعة الشهيرة "فيسفا باراتي" التى أنشأها فلقد أدخلت العلوم الانسانية والفنون فى كل فروع وتخصصات الدراسة باعتبارها تؤسس للقيم التى تفرز مواطناً مشاركاً ومنتجاً ونشطاً وبارعاً فى التحليل والفضول البناء وذلك بفضل التمكين الذى يحصده من الحوار والحجج والبراهين والمناقشات اضافة الى الفنون المتنوعة،ومنذ الستينيات من القرن الماضى اتبعت معاهد الهند المرموقة فى التكنولوجيا والادارة نهج طاغور فى تقديم العلوم الانسانية لكل طلابها مما كان له أكبر الاثر فى التقدم العلمى للهند… جزء من مقال نشرته الاهرام للدكتور والمفكر الاقتصادي شريف دلاور وجاء في كتاب ..حتي لايسرق المستقبل ..الذي صدر مؤخرا ويجيب عن تساؤلات في مختلف الشئون المصرية 

– طاغور قاد انقلابا في العالم بنشر التعليم غير التقليدي خارج الفصول 



– النمو المرتفع لايؤدي بالضرورة الي مواطنين اصحاء ومستنيرين وفرص متكافئة 

يري الدكتور شريف دلاورأن  الازمات الصامتة هي تلك الازمات التى تواجه المجتمع ولايواجهها، ولعل أبرزها فى حالتنا أزمة العقل الذى يُشّكله نظام التعليم وتفاعله مع قيم العدالة والديمقراطية، ويفترض نموذج النمو الاقتصادى ان تحقيق معدلات عالية منه كفيل بتوفير جودة الصحة والتعليم وبالاقلال من عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية.
غير أن التجارب أوضحت عدم صحة هذا الافتراض حيث أن نمواً مرتفعاً لا يؤدى بالضرورة الى مواطنين أصحاء ومستنرين والى مجتمع تتوافر فيه الفرص الجيدة المتكافئة لكل الفئات الاجتماعية.
يضيف دلاور ان ذلك يختلف عن  نموذج تنمية الانسان الذى يرتقى بقدرات المواطن فى التفكير السليم حول قضايا السياسية وفى الحكم بفهم واقعى ومطلع على القيادات السياسة وفى الادراك بمساواة أقرانه معه فى الحقوق بصرف النظر عن خلفيتهم الاجتماعية أو الثقافية أو الدينية، وهو النموذج الذى يحفز الاهتمام بحياة ومشاكل الآخرين وبمصلحة الوطن ككل لا فئة منه فقط والذى يُعمق الاستيعاب بالقضايا المتعلقة بالحياة الانسانية، هذا ما يجب ان يوفره نظام التعليم من قدرات للمواطنين اذا اردنا ترسيخ الديمقراطية لانه بدون المساندة التى يقدمها المواطن المتعلم بشكل جيّد لايمكن للديمقراطية ان تدوم، وكما ان نظام التعليم لن يعتبر فاعلاً فى هذا الصدد اذا اقتصرت جودته على الفئة القادرة وعليه فإن استهداف نظام تعليمى عام جيد صار مطلباً عاجلاً وملحاً لتحقيق أهداف موجتى الثورة فى يناير2011 ويونيو 2013.

– النقاش ليس حلبة صراع يلزم فيها هزيمة واذلال الاخر

ينبه المفكر الاقتصادي الي ان علم أصول التدريس تأسس على الحجّة والبرهان والمناقشة والتفكير النقدي، فالكل متساوٍ فى الحوار وبالتالى لاينظر للنقاش على كونه نوعا من المصارعة يلزم فيها هزيمة وإذلال الآخر أو على أنه حرب مع عدو مما يفسد منذ البداية الالتقاء حول أرضية مشتركة والوصول الى حلول وسط ومما لايؤسس لثقافة سياسية تؤدى الى المواطنة الديمقراطية.

– العالم يدرس الفلسفة والدراسات الانسانية في كل الكليات مهما كان تخصصها ونحن لازلنا نطبق التعليم الاحادي 

لذا نجد الجامعات فى الخارج تعطى حديثاً مجموعة من المناهج فى الفلسفة والدراسات الانسانية الاخرى وذلك فى كل الكليات مهما تنوع تخصصها الاساسي، ولقد تم هيكلة جامعاتنا على النمط الاوروبى القديم أى حول فروع المعرفة الاحادية للتخصص العلمى والمستمدة ايضاً من نهج مماثل فى الدراسة الثانوية وليس حول النموذج المتقدم للعلوم الانسانية، ولا اعتراض بالطبع على تخصص فنى ومهنى عالى المستوى ولكن لاتقل عنه أهمية تنمية القدرات المرتبطة بالعلوم الانسانية وبالفنون التى تعمق التفكير النقدى والتخيل الجريء وفهم الخبرة الانسانية والعالم الذى نعيش فيه، وكما ان الابتكار والتجديد يتطلبان عقولاً مبدعة ومنفتحة ومرنة والتى تشكلها قدرات التخيل من خلال فنون الموسيقى والمسرح والشعر والرسم والرقص.

– هوراس مان رائد التعليم في امريكا شدد علي اهمية التعليم المجاني وقال الديمقراطية لاتدوم دون مواطن متعلم 


ويقول الدكتور شريف دلاور ان  "فريدريتش فرويدل" الالمانى صاحب فكرة ومؤسس روضة الاطفال فى القرن 19 يري ان أنشطة الطفل الذاتية هى أساس التعلم الجيد وان روضة الاطفال هى مكان يتعلم وينفتح فيه ذهن الطفل من خلال ممارسة اللعب بالاشياء مما يدفع الى التفكير النشط ويشجع على الاستكشاف والفضول، وفى القرن التاسع عشر ايضاً ركز "هوراس مان" رائد التعليم العام الامريكي – على أهمية التعليم المجانى للكل وعلى انشاء المكتبات العامة المجانية وعلى وضع معايير مرتفعة للتدريس فى المدارس الحكومية واعتبر ان الديمقراطية لا يمكن أن تستقر فى غياب مواطن متعلم ونشط ومنتج.

– امة في خطر دراسة امريكية حذرت من تدهور التعليم في الولايات المتحدة بسبب الابتعاد عن افكار الفيلسوف جون ديوي 


يضيف دلاور لاغرابة صدور – بعد أكثر من مائة عام على ذلك – الدراسة الامريكية "أمة فى خطر" نتيجة تدهور التعليم العام فى الولايات المتحدة وابتعاده عن ركائز "هوراس مان" وعن تعاليم أيقونة التعليم الفيلسوف "جون ديوي" الذى غيّر من فهم المدارس مهمتها لينتقل بها الى آفاق جديدة فى المنهجية بدلاً مما اسماه " تدريب الببغاوات"، فالطالب لايأتى للمدرسة للاستماع فقط بل يجب ان يؤدى ويفعل أموراً نابعة من التفكير وان يتساءل ويسأل، فالمدرسة هى مكان للحوار حول مشاكل حقيقية وبالتالى تتعاظم فيها المهارات العملية والقدرات الانسانية. 
ويختم المفكر الاقتصادي قائلا ان هذه المفاهيم والتجارب وغيرها هى التى يلزم أخذها فى الاعتبار لاحداث ثورة فى نظامنا التعليمى بالاضافة الى دفع طالب العلم للتفكير بمسئولية حول مستقبل الانسانية ككل بصفته مواطنا فى هذا العالم ولتفهم عادات الشعوب الاخرى وثقافتها، لأن التعليم الموجه للعيش فى ديمقراطية تعددية هو ايضا متعدد أوجه الثقافة وخاصة فى عالم تتشابك فيه العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية، فمتى نواجه الازمة التى تواجهنا؟

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى