اخبار-433
ذكري رحيل أبو القاسم الشابي شاعر تونس الذي ودع الحياة شابا بسبب القلب

كتبت : بنان عبدالناصر
سَـــأعيشُ رَغْمَ الدَّاءِ والأَعــــــداءِ ــ كالنَّسْر فوقَ القِمَّةِ الشَّــــــــــمَّاءِ
أرْنُو إلى الشَّــــــمْسِ المُضِيئةِ هازِئاً ـــــــ بالسُّـــــــحْبِ والأَمطارِ والأَنواءِ
لا أرْمـــــــقُ الظِّلَّ الكـئيبَ ولا أرَى ــــــ مَا في قَرارِ الهُوَّةِ السَّــــــــــوداءِ
وأَســــــيرُ في دُنيـــا المَشَاعرِ حالِماً ـــــــــ غَرِداً وتلكَ سَـــــــــعادةُ الشعَراءِ
أُصْغي لمُـوســــــيقى الحَياةِ وَوَحْيِها ـــــــــ وأذيبُ روحَ الكَوْنِ في إنْشَــــائي
ولد أبو القاسم الشابي في عام 1909م في مدينة توزر في تونس ، قضى والده الشيخ محمد الشابي حياته الوظيفية في القضاء بمختلف المدن التونسية حيث تمتع الشابي الابن بجمالها الطبيعي الخلاب، ففي سنة 1910م عين قاضيا في سليانة ثم في قفصة في العام التالي ثم في قابس 1914م, ثم في جبال تالة 1917م, ثم في مجاز الباب 1918م, ثم في رأس الجبل 1924م , ثم نقل إلى بلدة زغوان 1927م و حينما مرض مرضه الأخير رغب في العودة إلى توزر.
وفي هذا الجو نشأ أبو القاسم الشابي، يبدو أن الشابي كان يعلم على اثر تخرجه في جامع الزيتونة اعرق الجامعات العربية أو قبلها بقليل أن قلبه مريض ولكن أعراض الداء لم تظهر عليه واضحة إلا في عام 1929 وكان والده يريده أن يتزوج فلم يجد أبو القاسم الشابي للتوفيق بين رغبة والده وبين مقتضيات حالته الصحية بداً من أن يستشير طبيباً في ذلك وذهب الشابي لاستشارة الدكتور محمود الماطري ولم يكن قد مضى على ممارسته الطب سوى عامين وبسط الدكتور الماطري للشابي حالة مرضه وحقيقة أمر ذلك المرض غير أن الدكتور الماطري حذر الشابي على أية حال من عواقب الإجهاد الفكري والبدني وبناء على رأي الدكتور الماطري وامتثالاً لرغبة والده عزم الشابي على الزواج وعقد قرانه.
وقد وصف الدكتور محمد فريد غازي مرض الشابي فقال: " إن صدقنا أطباؤه وخاصة الحكيم الماطري قلنا إن الشابي كان يألم من ضيق الأذنية القلبية أي أن دوران دمه الرئوي لم يكن كافياً وضيق الأذنية القلبية هو ضيق أو تعب يصيب مدخل الأذنية فيجعل سيلان الدم من الشرايين من الأذنية اليسرى نحو البطينة اليسرى سيلاناً صعباً أو أمراً معترضاً (سبيله) وضيق القلب هذا كثيرا ما يكون وراثياً وكثيراً ما ينشأ عن برد ويصيب الأعصاب والمفاصل، وهو يظهر في الأغلب عند الأطفال والشباب وساءت حاله في آخر عام 1933 واشتدت عليه الآلام فاضطر الى ملازمة الفراش مدة. حتى إذا مر الشتاء ببرده وجاء الربيع ذهب الشابي إلى الحمّة أو الحامه (حامة توزر) طالباً الراحة والشفاء من مرضه المجهول وحجز الأطباء الاشتغال بالكتابة والمطالعة واخيراً أعيا الداء على التمريض المنزلي في الافاق فغادر الشابي توزر إلى العاصمة في 26-8-1934 وبعد ان مكث بضعة ايام في احد فنادقها وزار حمام الانف، احد اماكن الاستجمام شرق مدينة تونس نصح له الاطباء بان يذهب إلى اريانة وكان ذلك في أيلول واريانة ضاحية تقع على نحو خمس كيلومترات الى الشمال الشرقي من مدينة تونس وهي موصوفة بجفاف الهواء ولكن حال الشابي ظلت تسوء وظل مرضه عند سواد الناس مجهولا او كالمجهول وكان الناس لا يزالون يتساءلون عن مرضه هذا: اداء السل هو ام مرض القلب؟.
وقيل فيه الشاعر العراقي المعروف فالح الحجية في كتابه شعراء النهضة العربية فيقول فيه (فهو شاعر وجداني وهو برغم صغر سنه شاعر مجيد مكثر يمتاز شعره بالرومانسية فهو صاحب لفظة سهلة قريبة من القلوب وعبارة بلاغية رائعة يصوغها بأسلوب أو قالب شعري جميل فهو بطبيعته يرنو إلى النفس الإنسانية وخوالجها الفياضة من خلال توسيعه لدائرة الشعر وتوليد ومسايرة نفسيته الشبابية في شعر جميل وابتكار أفضل للمواضيع المختلفة بحيث جاءت قصيدته ناضجة مؤثرة في النفس خارجة من قلب معني بها ملهما إياها كل معاني التأثر النفسي بما حوله من حالة طبيعية مستنتجا النزعة الإنسانية العالية لذا جاء شعره متأثرا بالعالمين النفسي والخارجي).
وقصائده المغناة : جزء من قصيد ارادة الحياة في النشيد الوطني لـتونس, ارادة الحياة غناء وانشاد عدد كبير من المغنين والمنشدين العرب, الى طغاة العالم غناء لطيفة, اسكني يا جراح غناء امينة فاخت وابو بكر سالم بلفقيه, عذبةٌ انت – غناء مطرب محمد عبده .
و في اليوم الثالث من شهر أكتوبر قبل وفاته بستة أيام ويظهر من سجل المستشفى أن أبا القاسم الشابي كان مصاباً بمرض القلب أو القلاب. وتوفي أبو القاسم الشابي في المستشفى في التاسع من أكتوبر من عام 1934 فجراً في الساعة الرابعة من صباح يوم الأثنين.



