أدب
شيخ الكُتّاب .. صابر أبو العنين

على بعد خطوات من منزلنا يقع كتاب الشيخ "صابر أبو العنين" الملحق بجامع آل خلف الحسيني وكان الكُتّاب – أو (الخطيب) كما نطلق عليه في قريتنا- في ذلك الوقت تعليمًا موازيًا للمدارس الحكومية، وكان الشيخ صابر (وهو الحافظ لكتاب الله) آنذاك مؤذّن الجامع المذكور رجلًا كهلاٌ في حدود الأربعين من العمر طويلا نحيل البدن رقيق الجسم مع تقوّس في ظهره وبروز في ثنايا أسنانه، وكان أكثر ما ابتلي به ضعف البصر بحيث كان يضع الختمة أمام حدقتيه لينظر فيها، ولا يخفى حال القرية قبل شيوع الكهرباء، كان رحمه الله طيب القلب فكهًا في الأسمارـ لا يكل ولا يمل من القراءة والتلقين له كف ممطوطة يهزها حين الصفع هزا مرعبًا، نمطيا كأقرانه في حب المال والحرص عليه، يلبس الجلباب كعادة أهل القرية ويلف على رأسه عمامة بيضاء ذات طيات ساذجة، وكان الشيخ تبدو عليه النحولة في الصيف حين ينزع عنه لباس الشتاء الكثيف، فتراه وهو قادم وعلى البعد كأن نخلة باسقة يداعبها الريح.
أما الكتاب (الخطيب) حجرة بسيطة عارية من أي أثاث لا تسع سوى لعشرين صبيا وإذا بها ما يربوا عن الخمسين، في إحدى زواياها توجد خابية كبيرة للماء (الزير ذلك الإناء الفخاري المعروف) وعليه كوز (كوب) من الصفيح الصدئ، وفي زاوية أخرى عصي من جريد يابس وبعض الخيزران كأدوات العقاب لا بد منه، وفوقها فلكة معلقة على الحائط (وهي أداة للعقاب توثق بها الأرجل بحيث ترفع لأعلى بمساعدة الفتيان تمهيدا لضرب المذنب على باطن قدميه والقيام بما يلزم)، وكانت أرضية الكتاب مفروشة بحصير مهترئة من نبات الحلفا الشائك، فقد كان السجاد في علم الغيب والكليم الصوفي مفخرة الوجهاء والأثرياء، وفكنا نجلس على الأرض فرارا من أشواك تلك الحصير الملعونة، وكان الشيخ يجلس في صدر الكتاب يتحلق حوله الصبيان والعجلة هي الدافع في التزاحم على الشيخ لا حبا في العلم ولا تقى، لذا كنت تجد الشيخ يسمع لأكثر من غلام في وقت واحد.
وكان الصبي منا لا يرضى بالذهاب إلى الخطيب طوعًا، ولكن بعد جهد جهيد ومشقة بالغة من ذويه ها هو الصبي يتقهقر للخلف صارخًا هلعًا وسائقه يجره على التراب مرة ويدفعه نحو الباب غاية الدفع، فقد كان الخطيب مرعبا من كثرة ما نسمع من الصراخ وما يقع في القلوب من هيبة من تجمع كبير لأطفال مختلفي الأعمار، وكانوا ينشغلون بأيام الأسبوع استبطاءا ليوم الجمعة حيث العطلة والبطالة، وما أشد بهجتهم حين يأتون فيجدون الكتاب مغلقا لعذر عند الشيخ أو حين يترزق الشيخ بقراءة ختمة أو عدة ياسين أو ذهب إلى أسيوط ليشارك طلابه في مسابقة حفظ القرآن الكريم.
أما يوم الخميس فكان عيدا عند الشيخ ففيه يجمع معلومه (راتبه) من الأولاد وهو يوم الاعذار والحجج(أبوي مسافر -أبوى هيقولك يوم السبت – جدى هيقابلك – نسيت ..الخ)، ولكن ما أن يحل شهر أكتوبر من كل عام ترى الكتاب ساكنًا لا حراك ينزوي فيه الشيخ صابر حيث لا أنيس ولا جليس، إنه شهر جني القطن حين تسخر الدولة إمكاناتها للذهب الأبيض وكان الأولاد هم الأيدي العاملة.
ولو مررت بالقرب من الكتاب كنت تسمع طنينًا كطنين الدبابير وترى جلبة وعراكًا، حيث ينهمك المجدون في ترديد الآيات مراجعة الماضي ويتمايلون ويؤرجحون رؤوسهم وأبدانهم لبعث الهمة والنشاط ومقارعة النسيان، وكان الشيخ يوكل لبعض طلابه ممن بلغ الحلم التهذيب الجدد وتحفيظهم، وكنا نحن الجدد نحفظ أول ما نحفظ الفاتحة ولكن بطريقة ساذجة ومحرفة ومضحكة كلمة كلمة هكذا "الحمدو اللهي الربي العالمين"، وكنا نأتي بصنوف من الحيّل ونحن نراجع الماضي الذي أودعناه النسيان وتناولته يد الضياع فأول ما يكون من أمرنا أن نأكل أظافرنا من هول الارتباك، وإذا زمجر الشيخ صابر تلعثم اللسان ودخلت سورة الجن في سورة الأنسان واختلط أصحاب اليمن بأصحاب الشمال.
الشيخ صابر: "سورتك أيه"
يا الله أنها سورة تصور حالي بين السيخ أقول بصوت خافت ومضطرب: الحشر
الشيخ صابر: "طيب سمع من أول الممتحنة"
انتظر برهة ثم أقول: بسم الله الرحمن الرحيم ……. أولها أيه يا سيدنا؟
الشيخ صابر: يا أيها الذين ىمنوا لا تتخذوا عدوى.
يزوغ بصري ويعرق جبيني: يا أيها الذين امنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم اولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جآءكم من الحق ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
يلقننى الشيخ أية بعد أخرى يقول حافظ ولا لع ويمسك بشحمة أذني ويقرصها بأظافره قرصة تكاد أن تنفصم أقول باكيا حافظ والله حافظ
الشيخ صابر: قوم يا مضروب فط جلدك بعد سلخك
واتنفس الصعداء لقد مرت هذه المرة بسلام، لقد كنت حينذ نحيفًا مدرًا للدموع لا أعرف للشجاعة معنًا ولا أحسن بدفئها بين جنبى، فإذا جد الجد كنت الجأ إلى الرفيقين الولولة والدموع.
أما غيرى من الأقران فكان بعضهم يستمطرون الظروف ويدعون الله جهد أيمانهم أن يطرأ حادث أو شغل يشغل الشيخ ليفلتوا من العقاب، ويتغافلون الشيخ ويلوكون الأيات لوكا و(يكروتون)، ويتذرعون بـقولهم :(عن إذنك يا سيّدنا أروح الحمام وعن إذنك أروح أشرب يا سيّدنا) ويقرأون الواحد منهم أية أو اثنين ثم ينتهز انشغال الشيخ مع صبي آخر ويقول: صدق الله العظيم كأنه استتم السورة على أكمل وجه، ولكن الشيخ خبير بهذه الملاعيب يجحظ عيناه ويضع يده على قفا الولد يقول له: من تاني يا مضروب، فلا يجد المسكين ملجأ إلا الصراحة والمكاشفة يقول: معلش يا سيدنا أنا مش مراجع ويسلم ظهره طوعًا للشيخ لتتسلمه عصاه تنزل عليه حيث شاءت، أو يودع فخذه لأظافر الشيخ برضاء وتسليم ليقرضه قرضًا.
ومنهم من ينفلت من بين يد الشيخ فجأة يلوذ بالفرار وهنا يصيح الشيخ في مساعديه "هاتوه يا كلاب جهنم" فكنت ترى كأن دبابير انطلقت من وكرها تريد الهجوم، وما هي إلا لحظات حتى يؤتى بالطريدة في صنوف من المهانة والبهدلة كأنه أسير في العصور الوسطي، يجذ الشيخ صابر الفلكة المعلقة بالحائط وينقلب الكتاب عويلًا وصراخًا والشيخ يسب ويلعن "يا ساتر أعوذ بالله"
وكان الكتاب مسرحا للمقالب والسخرية حتى الشيخ نفسه كان مادة للتقليد من الأشقياء، فمن يضع ريشة في أذن زميل على غير انتباه منه ليهيجها كما تفعل الهوام، وكان البعضهم الذين بفضلون الاستحمام في الترع على الانتظام، ومع ذلك فقد تخرج على يدى الشيخ حفظة ومقرءين حباهم الله بأصوات ندية يتصدرون بها في المناسبات، ومنهم خطباء ووعاظ.
ومع طول الأيام بدا على الشيخ صابر أثر السنين فهزل جسمه ووهنت قوته واحدودب ظهره ولازمه داء الكحة (السعال) الذي كان يأتيه النوبة تلو الأخرى فيزرق وجهه وتضطرب أعضاءه فأسرع به هذا الداء إلى القبر أيما اسراع، حتى حين كان يضحك كانت فرقعات الكحة تمتزج مع صوت القهقهة.
ولكن أشد ما فت في عضد الشيخ صابر وأودعه في غياهب الحزن أنه لم يستطع أن يورث القران لأهله وفشل أن يلقن ابنه محمد حتى قصار السور، والشيخ يتلوى ألما من سوء القدر وأخذ يدع له ويشتكي، ولكن هيهات!، جعل الشيخ يغمض عينيه ثم يفتحها فلم يصدق ما يرى، ماذا؟ كل هذا التقدير والتدبير والسعي والاحتيال ينتهي بلا شيئ؟ وعلم معنى ما حفظه من الآيات وسمعها بأذن غير التى كان يسمع بها "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء" صحيح إذن أن محمد صابر أغلق قلبه وأذنيه دون القرآن وهزء من عمل أبيه ورضي بالعمل المجهد الجهيد عن الرزق الطري! ما هذه النازلة الفادحة؟ مسكين الشيخ صابر إن الرزء الذي رزئه لشديد ولم يكن له من وسيلة سوى الصبر، أما محمد ابن الشيخ فقد أدرك أنه أخطأ وحين ثاب إلى رشده كان قد فاته سن الطوع والتشكيل.
وأخيرا عملت الاحزان عملها في نفس الشيخ واستولت عليه الامراض فأسلم روحه إلى مولاه ووا أسفاه لم يكن لي حظ في حمل نعشه وتوديعه أو تأبينه، وكان الله تعالى أراد تكريمه فدفن في قبر يتصدر المدافن ظاهر لا تخطئه العين، فكان هذا مدعاة لتذكره والترحم عليه دوما، غاب عنا الشيخ ولكن آثاره بكل نفس تحب القرآن، ومذ غاب لم تفلح البلدة من بعده في ترتيب كتاب دائم وتغير الجيل واستولت عليه الملهيات. وهذه رخامة قبر الشيخ رحمه الله تعالى.
بقلم د. فرج الحسيني




