استراتيجية مكبر الصوت سلاحا أمريكا ضد روسيا

  • 15
قمة بوتين وبايدين

صحف

التكرار والاهتمام الأمريكي بشأن هجوم روسي "وشيك" على أوكرانيا يثيران تساؤلات عن غاية واشنطن من نشر معلومات "سرية" حول روسيا. ويرى خبراء أن واشنطن تتبع "استراتيجية مكبر الصوت" و"الشفافية" كأدوات جديدة في "حربها" مع موسكو.

في إطار تحذيراتها المتكررة من هجوم روسي وشيك على أوكرانيا، تنشر الولايات المتحدة معلومات "سرية" حول التحركات الروسية بشكل غير مسبوق! لكن ما قد يبدو "شفافية وانفتاحاً" للوهلة الأولى ليس سوى "شكل جديد من أشكال الحرب"، كما ترى مجلة "شتيرن" الألمانية.
وكتبت المجلة أنه ومنذ أكثر من ثلاثة أشهر، تنشر واشنطن وبشكل مفاجئ معلومات مفصلة حول تحركات روسيا و"محاولاتها للتضليل الإعلامي" في إطار تحضيرها للهجوم على أوكرانيا، رغم نفي موسكو نيتها الهجوم.

ففي مطلع  ديسمبر 2021، نشرت وسائل إعلام أمريكية تقريراً استخباراتياً يتنبأ بهجوم عسكري روسي محتمل على أوكرانيا في أوائل عام 2022. ووفقاً لصحيفة "بوليتيكو" الأمريكية، تحدث مسؤول مجهول في إدارة بايدن، عن حشد روسيا 175 ألف جندي للهجوم على أوكرانيا، تم نشر نصفهم في نقاط استراتيجية على الحدود الروسية الأوكرانية.

ونقلت "بوليتيكو" عن مسؤولين أمريكيين أنهم على يقين بأن بوتين يعد لغزو محتمل. وقال السفير الأمريكي السابق لدى أوكرانيا جون هيربست إن من المرجح أكثر "أنهم (الروس) سيفجرون أزمة ويتلقون تنازلات منا ثم يحلون الأزمة".
ومن جهته قال مدير وكالة الاستخبارات المركزية وليام بيرنز لصحيفة "وول ستريت جورنال: "لن أقلل أبداً من استعداد الرئيس بوتين للمخاطرة فيما يتعلق بأوكرانيا".
تدفق المعلومات الاستخباراتية!
وفي منتصف  يناير 2022، نقلت العديد من وسائل الإعلام الأمريكية، بما في ذلك قناة "سي إن بي سي" الإخبارية، معلومات رسمية عن البيت الأبيض تفيد بأن أجهزة الاستخبارات ترجح هجوماً روسياً على أوكرانيا"  خلال الثلاثين يوماً المقبلة". وكشفت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض جين ساكي أن خبراء الدفاع الأمريكيين لاحظوا ارتفاعاً كبيراً في كمية المعلومات المضللة المنسقة على وسائل التواصل الاجتماعي عبر القنوات المدعومة من روسيا. جاء ذلك بالتزامن مع اختراق روسي لمواقع حكومية أوكرانية. وكشفت ساكي أيضاً أنه ووفقاً لمعلومات الاستخبارات الأمريكية، فإن "روسيا أعدت مجموعة من العملاء لتنفيذ عملية مفبركة وأعمال تخريبية ضد روس في شرق أوكرانيا"، لتكون ذريعة لبوتين لتنفيذ الهجوم على أوكرانيا.

وفي بداية  فبراير 2022، قالت واشنطن إنها عثرت على فيديو مفبرك يظهر فيه قتلى روس ومعدات عسكرية لأوكرانيا. ونقلت رويترز عن نيد برايس المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية أن "نشر الفيديو من قبل موسكو سيكون للتأكيد على وجود تهديد لأمن روسيا ولدعم العمليات العسكرية (في أوكرانيا)".

وفي منتصف  فبراير 2022، اتفق مسؤولون حكوميون في عدة عواصم على أن روسيا في المراحل الأخيرة من الاستعداد للهجوم على أوكرانيا، بحسب تقرير لـ"واشنطن بوست"، والذي جاء فيه أن بوتين عدّل موعد الهجوم. فبعد أن كان الهجوم مقرراً "بعد انتهاء الألعاب الأولمبية في بكين، لكي لا يتجاهل بوتين حليفه المقرب (الرئيس الصيني)"، وفقاً للصحيفة، أصبح هناك "احتمال موثوق بأن العمل العسكري الروسي قد يحدث قبل نهاية الألعاب الأولمبية"، كما صرح مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان لـ"واشنطن بوست".
"الاستخبارات مفتوحة المصدر"
وتثار تساؤلات حول مصدر المعلومات التي تنشرها واشنطن بشأن هجوم روسي "وشيك" على أوكرانيا. وبحسب صحيفة "إندبندنت" البريطانية، فإن المعلومات الاستخباراتية الفورية التي تعتمد عليها واشنطن لم تعد تأتي فقط من أقمار التجسس الاصطناعية التي تبلغ قيمتها ملايين الدولارات أو من الجواسيس على الأرض، بل أيضاً من وسائل التواصل الاجتماعي والبيانات الضخمة والهواتف الذكية والأقمار الاصطناعية التجارية منخفضة التكلفة، والتي أصبحت جميعها تحتل مركز الصدارة في جمع وتحليل المعلومات وقت حدوثها. وتعد الاستخبارات "مفتوحة المصدر" منخفضة المخاطر ورخيصة وفعالة للغاية في كثير من الأحيان، بحسب ما يقول كاميرون كولكوهون، الخبير في شؤون الاستخبارات، الذي أوضح أن الاستخبارات مفتوحة المصدر أصبحت الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى.

"استراتيجية مكبر الصوت" لبايدن
التكرار والإلحاح اللذان تحذر بهما واشنطن من هجوم روسي، وكذلك نشر معلومات "حساسة" للجمهور، أمر غير معتاد، بحسب مجلة "شتيرن" الألمانية والتي تتساءل عن سبب نشر إدارة بايدن تلك المعلومات "السرية"؟
ويرى الكاتب في "واشنطن بوست" أنتوني فايولا أن تحذيرات إدارة بايدن من غزو روسي لأوكرانيا "تبدو وكأن قناة الطقس تتبع الإعصار". ووفقاً لفايولا، فإن أحد المطلعين يسمي هذه "استراتيجية مكبر الصوت لبايدن". ويوضح أنه من خلال إظهار جزء على الأقل من أوراقها على الطاولة، يمكن لواشنطن أن تقنع الرأي العام الدولي وحلفائها بالخطر الحقيقي الذي تمثله روسيا، وفقاً للشعار القائل: إذا صرخت بصوت عالٍ وفي كثير من الأحيان، فسيتم الاستماع إليك. ويشير فايولا أن هذا "الصراخ" لا يتعلق بالشفافية الدبلوماسية، بل بالحسابات السياسية. وبحسب تقارير إعلامية، فقد تم تنسيق "الكشف عن المعلومات" بدقة بين مجلس الأمن القومي وأجهزة الاستخبارات وأجهزة أمنية أخرى.

هذه "الشفافية الأمريكية" لها ميزة أخرى واضحة، بحسب خبراء، فهي تحرم بوتين من فرصة التصرف في الظلام. فالخطط الروسية - إذا كانت موجودة بهذا الشكل- تعتبر بالنسبة لموسكو لاغية بمجرد أن تصبح معروفة، وذلك لأن حرب المعلومات هي نظام استعراضي لروسيا، كما يوضح ريتشارد جوان، المحلل في مجموعة الأزمات الدولية، لصحيفة "إل باييس" الإسبانية، ويقول: "إن حرب روسيا الهجينة تقوم على زرع البلبلة والمعلومات المضللة". فالكرملين الآن، بحسب جوان، مشغول بإنكار المعلومات "السرية" الأمريكية المنشورة وتشويه سمعتها، موضحاً أن الولايات المتحدة، بنشرها تلك المعلومات، تحرم بوتين من ميزة المفاجأة التي يتمتع بها!

"واشنطن مهووسة بمصداقيتها"
ويرى خبراء أن سبب آخر دفع واشنطن إلى نشر المعلومات السرية هو ضرورة قيامها بشيء لحماية صورتها. ففي تجربة أفغانستان زادت الانتقادات لواشنطن بسبب وقوفها مكتوفة الأيدي. وكان هذا "العجز الأمريكي" بمثابة نقطة "انحدار سياسي" لإدارة بايدن التي تم إحراجها على المسرح الدولي، بحسب "شتيرن".
وفي مقال لمجلة "فورين بوليسي"، كتب ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، أن الولايات المتحدة "مهووسة بمصداقيتها"، وأضاف: "بغض النظر عما فعلته الولايات المتحدة في المرة الأخيرة التي تم فيها تحديها (في أفغانستان)، يجب أن تتفاعل بمجرد ظهور مشكلة جديدة، وإلا فإن تلك السمعة قد تتحطم مثل الزجاج".

لكن الأصوات الناقدة التي تعتقد أن بايدن "يبالغ في الأمر تدريجيا" تتعالى. وقال ضابط سابق في وكالة الاستخبارات المركزية لصحيفة "بوليتيكو" الأمريكية: "إنني قلق على مصداقية معلوماتنا الاستخباراتية على المدى البعيد". إلا أن المسؤولة السابقة في المخابرات الوطنية الأمريكية، أندريا كيندال-تايلور، والمختصة بالشؤون الروسية، تقول إنه حتى إذا تبين أن المعلومات الأمريكية حول روسيا خاطئة، عندها "يجب أن نكون جميعاً سعداء بذلك"! في إشارة إلى أن عدم شن الهجوم الروسي على أوكرانيا خبر يسعد العالم.



قمة بوتين وبايدين